التخطي إلى المحتوى الرئيسي

استراتيجية سليمة، يعني بوصلة موزونة.


 

تحتاج المنظمات إلى الإستراتيجيات لترسم لها طريق الوصول للأهداف، كما أنه في ظل تسارع التغيرات وندرة الموارد، وزيادة المنافسة على الوفورات،حتى الدول والحكومات تسعى لوضع الإستراتيجيات التي تحقق لها توظيف السلطة وتسخير المعارف والعلوم لتحقيق الصالح العام، حيث تعكس إستراتيجات الدول استثمار الحكومة للموارد العامة والإمكانات على نحو منظم لتحقيق أهداف طموحة لتحسين حياة المجتمع ككل. يساهم ذلك في تشكيل الهيئات والمؤسسات والقوانين والخدمات والسفارات والجيوش، حيث توجه الجهود نحو هدف واضح ومحدد يحقق المنفعة العامة. وبالطبع تتفاوت الدول في تنفيذ إستراتيجياتها، منها مثلاً ألمانيا التي اتبعت استراتيجية جعلت منها دولة صناعية قوية، وسنغافورة التي أصبحت قوة إقتصادية رائدة، والصين التي تجاوزت كل الأرقام القياسية في النمو الاقتصادي خلال الأعوام الماضية، والدنمارك التي أصبحت تحتل مركزاً عالمياً مرموقاً في الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات التوظيف والخدمات الإجتماعية والبيئية بعد أن اتبعت استراتيجية رسمت الطريق. اكتشفت هذه الدول أن التكنولوجيا وحدها لا تقدم حلولاً ولا تحقق أهداف كل الاسترايتجيات، وأن تفادي الفشل يحتاج إلى وزنية محددة لبوصلة إعداد الإستراتيجية وأيضاً تنفيذها، سأتحدث في هذا المقال عن مفاصل الإستراتيجة التي تحقق تلك الوزنية وتساهم في توجيه تنفيذها نحو الهدف. 

 غياب هذه البوصلة ينتج عنه  "سوء الفهم" أي عدم القدرة على التفكير بعقول الآخرين وخصوصاً الخصوم، وعدم فهم تأثير السياسات الحالية وبالتالي عدم الإحتياط لردود فعل الغاضبين أو المتضررين من السياسات لتبنيه ومعالجته في سبيل تحقيق الصالح العام. ينتج عن غياب البوصلة أيضا "قوائم الأماني المفرطة" التي تضع أهدافاً لا يتماشى الوصول إليها مع واقع أصحاب المصلحة وقدراتهم، ويفترض بقاء الظروف المحيطة على نفس النسق، فلا يُخضع الإستراتيجية لسيناريوهات مختلفة سيئة وجيدة ويختبر طرق الوصول ضمن ظروف متقلبة وغير متوقعة. وجود بوصلة موزونة للإستراتيجية يبين التنافر، ويحدد المشروع أو السياسة التي نشزت عن الطرق وخالفت الإتجاه السليم ، ويصنع قرار إيقاف امدادها بالموارد أو توجيه الجهود.

في حال اتفقنا أن الدور الرئيس للإستراتيجية هو تحديد الأولويات، ورسم طريق الوصول للأهداف، وإسناد المهمات والتكاليف للمتخصصين (مسؤوليات وصلاحيات) وتحديد خطوات التنفيذ من خلال خطط زمنية واضحة، فإن وجود البوصلة الموزونة يحقق للإستراتيجية "تحديد سليم للمراحل الوسيطة" فلا مراحل إضافية ولا القفز من مرحلة بدون المرور بسابقة أساسية. وجود البوصلة يوضح المسؤوليات ويوصفها بطريقة تقلل هوامش المراوغة والمماطلة. يحدد أيضاً على ماذا ستفرض العقوبات وعلى ماذا ستمنح المكافآت في كل حلقة من حلقات سلسلة المراحل المتتالية، وجود البوصلة الموزونة أيضاً يقوّم عملية المراقبة والمتابعة لضبط السير في خط زمني متواصل يتوافق مع كل مرحلة ويحدد المتأخرين من المتقدمين والمتوافقين مع الخطط التنفيذية الموضوعة.

واذا علمنا أن وزنية أي بوصلة تعتمد على ثلاث أجزاء أساسية في تكوينها هي : القاعدة المغناطيسية والإبرة والاتجاهات التي تتحرك الإبرة نحوها. فإن وزنية بوصلة الإستراتيجية تعمد على ثلاث مفاصل أساسية في صناعتها هي : التواصل السليم والذي يشكل القاعدة المغناطيسية، والسياسات التي تصنعها الإستراتيجية وتشكل الإبرة في البوصلة، وأخيراً دائرة المعارف والخبرات المحيطة والتي تعكس الاتجاهات الموضوعة والمبينة لإتجاه الإبرة. توضع الاتجاهات وفق حصيلة معارف عالية وخبرات متراكمة من المعنيين بالإستراتيجية تتضمن بيانات إحصائية ومعلومات وأراء متمرسين وخبراء وفنيين ومحترفين في مجالاتهم وتجارب سابقة وتجارب موازية وأفضل الممارسات محلياً ودولياً. تم تصنع القاعدة المغناطيسية للبوصلة بشكل صحيح من خلال "التواصل السليم والشامل" والذي يكون ضمن مراحل ما قبل الإستراتيجية وأثناء تصميمها وخلال تنفيذها وأيضاً بعد الحصول على النتائج وتقييمها، كما أن الوزنية السليمة للتواصل يجب ان تغطي كافة أصحاب العلاقة من خبراء ومحايدين و عموم ومنفذين ومستفيدين. وأخيراً تكون إبرة البوصلة هي السياسات التي تُصنع والتي توجه سير الجهود نحو الأهداف وهنا لابد أن تراعي كل سياسة تأثيرات التوجه الحالية والمتوقعة، وتعمل على وكز nudge  المتأثرين نحو السلوك المطلوب، قد يكون ذلك من خلال تصميم مكافآت مجزية أو فرض عقوبات أو من خلال دراسة إجراءات التطبيق بحيث تؤثر على السلوك وتوجهه نحو الهدف.

خلاصة القول، المعرفة الشاملة والتواصل السليم والسياسة المتوافقة هي مفاصل أي إستراتيجية والتي تحكم جودة كل مفصل منها وزنية بوصلة هذه الإستراتيجة وتوجهها نحو اتجاهات الوصول الصحيح، وتنبه صانعي القرارات أن الموارد والجهود قد اتجهت في اتجاه مختلف وأنه لابد من تقويمها، أو أنها فعلا نحو الاهداف ولابد من التركيز عليها. لذا نقول أن بوصلة بدون خطة وصول يساوي تماماً خطة وصول ببوصلة غير موزونة.

 

نشرت هذه المقالة في صحيفة مال :

 https://www.maaal.com/archives/20201102/162507  

2-11-2020

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

بالحكمة، وليس بالدبور!

الدعوة إلى الله، هاجس الكثيريين، والقليلين. إلا أن أساليب الدعوة إلى الله، مع اختلافها، فهي تعكس تماما خلفية الداعي، ونفسيته، ومستوى وعيه. لذا، فهي حقا أداة ذات حدين، قد توجد طريقا لله، وقد تكون سببا في اغلاق طرق! بالتالي، فإن المسؤولية التي أرى أن يوليها المرء لنفسه، هي تحري الحكمة في أسلوب دعوته، واستخدام الموعظة الحسنة، والبعد، كل البعد، عن ما أطلقت عليه في هذا المقال «الدعاية لله». فالدعوة لسبيل الله تختلف تماما عن الدعاية له «جل تعالى». إن «الدعاية لله» تتمثل في ما يستخدمه البعض -ويتداوله بعضا آخر- من حكايات وقصص يقصدون بها ارشاد الناس لدور الله في حياتهم، وهي في الواقع، لا تختلف عن صناعة أغلب «الدعايات» في عالمنا العربي، تجدها عبارة عن مشاهد، المفروض أنها صنعت سيناريو متكامل، إلا أن النتيجة التي خرجت أمام المشاهد هي بالضبط ما يعكس انطباعه المسبق عن المنتج. لذا فلن تجد صانع الدعاية مراعيا لا لسلامة المنطق، ولا حريصا على أن يعكس أفقا جديدا للمتلقي. هذا تماما ما يلحظ على تلك القصص، والتي سمع أغلبنا-إن لم يكن كلنا- عددا منها. كقصة الدبور الذي غرس رأسه في طبلة إذن الشاب الناجح «العا...

ليس بمفردك .. لكن بنفسك

  مرور الأيام هو امر خارج عن إرادتنا، ولا يمكننا إيقاف نمو اجسادنا بمرور الوقت، إنما ما نملك كامل الحرية تجاهه هو نضجنا.  النضج يعني الاستفادة من تجارب الحياة، الخروج بنتائج أفضل كلما مر الوقت، يعني ان تصبح احلامك واقعاً تعيشه! أجد أن الفرق بين شخصين إحداهما حقق ما كان يراه الآخرون مستحيلاً، وآخر في محاولة مستمرة لاثبات استحالة التحقيق! هو ان الأول تجاوز تجاربه الصعبة وتعلم منها درساً لمرحلة أخرى، قد تكون أصعب، وتجاوزها أيضاً. والثاني توقف عند احد هذه التجارب الصعبة وأثبت أنه لا مخرج، وحبس وعيه في تلك المرحلة، موجها كل اللوم للظروف والأشخاص! تأكد أنك وحدك من يقرر تولي مسؤولية الحياة والنضج، او من يسلم هذا المقود لغيره من الأشخاص او الظروف ويقضي حياته في اللوم والعتب عليهم . يقول برنارد شو “الظروف!، أنا أصنع الظروف التي أحتاجها لكي انجح”، وفي حديثه الكثير من الثقة وكل الصحة، نعم يمكن لكل منا أن يختار الظروف التي تناسب تحقيق أحلامه. المفتاح هو “المسؤولية” هو القرار بتولي مسؤولية نجاحاتك، وأيضا اخفاقاتك التي تواجهك. وان تعرف أنها ظرفاً يهديك درساً ستحتاجه في المرحلة القادمة، وي...