التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في الآخرة حسنة.

في الآخرة حسنة.

قبل عام، كشفت لي الحياة وجها من أوجهها المتضادة، وأهدتني درسا في تلك اللطائف التي تتجسد في ما هو ضد الحياة، "الموت". وفاة جدي "عبد الإله بن حمد" العام الماضي، كان درسا في سنن الكون بالنسبة لي، أرشدني لإحدى الطرق التي تؤدي إلى "الآخرة الحسنة".

يواجهنا الموت في كل لحظة، في كل شيء، كما تواجهنا الحياة، إلا أننا لا نعيرها انتباهنا كما نفعل عندما "تدق" منا الوتر عن قرب. على الرغم من أنني عزيت الفقد بالموت مرارا، إلا أنني لم أكن أعلم أن السماء تحتفل أحيانا بالقادمين إليها. هذا ما "شهدته" من السماء قبل عام، وهي تستقبل روح جدي. كان إنسانا يتميزعن كل من حوله "ببساطة" التلقائية الغير متصنعة. سلامه مع نفسه كان ينعكس في أسلوبه وتعامله معها، لم يكن يعتبر لضغوط المجتمع سلطة على نفسه، كان يسالمها كثيرا، وكنت أرى كيف هي تلك الضغوط عندما تأتي عنده و"تختلف". لم يكن يعتبر لمقايس النجاح العالمية أي اعتبار مقابل لحظة الرضا التي يقدم فيها عطرا لأمي تذكرها به. لم يعنى كثيرا بمشاكل الكون، واهتم جدا بتفاؤل الإجابة عندما أسأله "كيف حالك؟" فيجيب " أحسن منك". لم يعاند الأرض ولم يؤذيها لاستخراج كنوزها، فضمته لحظة وفاته متلهفة، كأنه صديق قديم طال غيابه. اتسمت حياته بالبساطة والسلام، وكذلك كانت وفاته، بسيطة على الرغم من فجاءتها، وبسلام كانت مسيرة احتفال السماء به.

فقده الذي مر عليه عام، جعلني أتأمل كثيرا تضادات سنن هـذا الكون، في الحياة وفي الموت. أمران على شدة تضادهما إلا أن الكون بهما معا يسير. بمولود جديد، وميت آخر. ببذرة في باطن الأرض، وثمرة على الشجرة. بنجمة جديدة تلمع في السماء، بعد انفجار ضخم في الفضاء. وكأن الموت مرحلة لبداية حياة، والحياة مرحلة في الطريق للموت. وأن الحياة بكل معالمها يقيدها الموت، وأن الموت بكل مجاهيله تعرفه الحياة. متضادان لا يفترقان، وجهان لعملة واحدة هي "الكون". هـذا الكون، بمنظومته التي يؤدي فيها "كل شيء" دوره، قبل، أو على قيد، أو بعد "الحياة". سنته، هذا الكون، تعتمد على البناء الذي يسبق الهلاك، وعلى الهلاك الذي يعيد البناء.

بعد هذا التأمل، سكن فؤادي إطمئنان لهذا الكون، وعظيم سننه. هان علي الفقد، وشهدت أنها بداية جديدة. أجد الان أن زمن الانسان المقاس "عمره" يثمر بحبه للحياة، وبتبقله للموت، وأنه، هذا العمر، انعكاس لاختيارات هذا الإنسان. حب الحياة، يكمن في السعي فيها للبناء وأيضا للهدم. يكمن في عمله وبحثه وتجاربه ومعايشته، يكمن في بناءه ذاته وهدمه ملذاته. حب الحياة، يحقق للنفس معرفتها ومعارفها ويرسم خطوط حكمة المرء، وتفاوتها. حب الحياة، يتحقق بموازنة الإنسان بين احتياجات بدنه وروحه، بين زينة الدنيا وسراطها المستقيم. بين إرتقاءه وتطوره، فيكون إرتقاءه بتنزه روحه، في حين أن تطوره يكون بحداثة مظهره.كما أن دخول الحياة بحد ذاته هو اشعار بقبول الموت. يكون هذا القبول بالسلام بين الإنسان وغيره، وبين الإنسان ونفسه. يكون هـذا القبول بالوعي بحجم هذا الكون و عظيم سننه، وبقدر ذات الإنسان وعظيم دورها، ضمن الكون، ومعه. يكون هذا القبول للموت بالشوق للإستمتاع بكل ما هو "الان" في سبيل أن يكون "كان" بسلاسة وتسليم. علمت، أن للإنسان صناعة طريقه الذي يتكون بقراراته وترسم خاتمته بنتائج تلك القرارت، وأن للإنسان أن تلقفه الأرض في باطنها مبتهجة وتحتفل السماء بروحه إليها، وأن له أن تعانده الأرض وتلفظه ساخطة عليه، وكأنها تقول لم تعني وأعنت علي.

بعد وفاة جدي، راجعت كل اختياراتي، وكان شعاري أن لا أعاند الأرض وأن أصادق سنن الكون، وأن أسلم، في غير استسلام، للسراط المستقيم. أن أحب الحياة لتحبني، وأن أقبل الموت ليقبلني.

رحمك الله يا جدي، جسدا في باطن الأرض، وروح تحتفل بها السماء.

نادية العمودي

تعليقات

  1. الله يرحم جدك يا نادية .. و لا يحزنك بفقد عزيز.
    الم الفقد صعب، هي لوعة الفقد، تأتي أحيانا لنا في أناس ذهبوا للغفور الرحيم، و تأتي أحيانا في أناس أحياء يرزقون إلا ان الحياة جعلتنا نفقدهم، وكلا الفقدين موجع.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

بالحكمة، وليس بالدبور!

الدعوة إلى الله، هاجس الكثيريين، والقليلين. إلا أن أساليب الدعوة إلى الله، مع اختلافها، فهي تعكس تماما خلفية الداعي، ونفسيته، ومستوى وعيه. لذا، فهي حقا أداة ذات حدين، قد توجد طريقا لله، وقد تكون سببا في اغلاق طرق! بالتالي، فإن المسؤولية التي أرى أن يوليها المرء لنفسه، هي تحري الحكمة في أسلوب دعوته، واستخدام الموعظة الحسنة، والبعد، كل البعد، عن ما أطلقت عليه في هذا المقال «الدعاية لله». فالدعوة لسبيل الله تختلف تماما عن الدعاية له «جل تعالى». إن «الدعاية لله» تتمثل في ما يستخدمه البعض -ويتداوله بعضا آخر- من حكايات وقصص يقصدون بها ارشاد الناس لدور الله في حياتهم، وهي في الواقع، لا تختلف عن صناعة أغلب «الدعايات» في عالمنا العربي، تجدها عبارة عن مشاهد، المفروض أنها صنعت سيناريو متكامل، إلا أن النتيجة التي خرجت أمام المشاهد هي بالضبط ما يعكس انطباعه المسبق عن المنتج. لذا فلن تجد صانع الدعاية مراعيا لا لسلامة المنطق، ولا حريصا على أن يعكس أفقا جديدا للمتلقي. هذا تماما ما يلحظ على تلك القصص، والتي سمع أغلبنا-إن لم يكن كلنا- عددا منها. كقصة الدبور الذي غرس رأسه في طبلة إذن الشاب الناجح «العا...

ليس بمفردك .. لكن بنفسك

  مرور الأيام هو امر خارج عن إرادتنا، ولا يمكننا إيقاف نمو اجسادنا بمرور الوقت، إنما ما نملك كامل الحرية تجاهه هو نضجنا.  النضج يعني الاستفادة من تجارب الحياة، الخروج بنتائج أفضل كلما مر الوقت، يعني ان تصبح احلامك واقعاً تعيشه! أجد أن الفرق بين شخصين إحداهما حقق ما كان يراه الآخرون مستحيلاً، وآخر في محاولة مستمرة لاثبات استحالة التحقيق! هو ان الأول تجاوز تجاربه الصعبة وتعلم منها درساً لمرحلة أخرى، قد تكون أصعب، وتجاوزها أيضاً. والثاني توقف عند احد هذه التجارب الصعبة وأثبت أنه لا مخرج، وحبس وعيه في تلك المرحلة، موجها كل اللوم للظروف والأشخاص! تأكد أنك وحدك من يقرر تولي مسؤولية الحياة والنضج، او من يسلم هذا المقود لغيره من الأشخاص او الظروف ويقضي حياته في اللوم والعتب عليهم . يقول برنارد شو “الظروف!، أنا أصنع الظروف التي أحتاجها لكي انجح”، وفي حديثه الكثير من الثقة وكل الصحة، نعم يمكن لكل منا أن يختار الظروف التي تناسب تحقيق أحلامه. المفتاح هو “المسؤولية” هو القرار بتولي مسؤولية نجاحاتك، وأيضا اخفاقاتك التي تواجهك. وان تعرف أنها ظرفاً يهديك درساً ستحتاجه في المرحلة القادمة، وي...