التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بشير أحمد ، وإبني !

قابلت "بشير أحمد" مرة على كورنيش جدة قبل عام تقريبا، بشير أحمد طفل يتراوح عمره بين السبع والتسع سنوات، يبيع مناشف ملونة. أكثر ما يلفت النظر في بشير أحمد، ابتسامته الواضحة، وتلك اللمعة التي تشع من عينيه. أخذت أسمع منه في ذاك اليوم ما تذكرته عندما سألتني "معلمة في مدرسة ابتدائية" : من من هؤولاء الأطفال تتوقعي أن يشبهه "ابنك" في يوما ما؟ وجدتني أرد بتلقائية "ابني! سيكون يشبه "بشير أحمد" إلى حد كبير". في حياة هذا الطفل العديد من الجوانب الايجابية، ولن أغفل سلبيات حياته بالتأكيد، إلا أنني فعلا آمل أن يشبه ابني "بشير أحمد" على الأقل لكي أضمن أن لا يشبه "أطفال هذه المدرسة".

حدثني بشير أحمد ذاك اليوم بإجابية، عن هدفه الواضح في جمع ٦٠٠٠ ريال ليتمكن من احضار والده ووالدته لأرض السعودية، وأنه قد جاء مع عمه قبل ثلاث سنوات للحج. الثقة التي كان يتحدث بها بشير أحمد جعلتني أسأله "تروح مدرسة؟" أجاب بإبتسامة " والله ما يخلوني، أنا في الصباح مافي شغل، أروح المدرسة ولما يعرف الأستاذ أنا مين يطردني، أروح مدرسة ثاني، لكن أنا احفظ القران في المسجد كل يوم"!. سرعة بديهة بشير أحمد كانت واضحة وحركاته الواعية كانت تعكس تجربة واطلاع أوسع من سنه بكثير. رأيت فيه روح حرة، مستقلة، تقدر الحياة. تخيلت هذا الطفل، رجل في يوم من الأيام ، تعود أن يكون مستقل بذاته، يعتمد على نفسه، يصنع القرار بسهولة وبدون تردد ولا تهور!، تخيلته حر من كل القيود التي تعيق استمرار لمعة عينيه. ومن خلال حديثه يبدو واضحا أنه ينتمي لمجتمع كامل، يساهم في أن يكون بشير أحمد مستقبلا مسؤولا عن تنشئة غيره من الأطفال عندما يعتمد عليه في نقل خبرته لهم، كما حدث معه.

إلا أن بشير أحمد، عندما سألته عن حمايته "ماتخاف أحد يأذيك، انت صغير؟!" أجاب "لا، انا في جماعة كلهم هنا، اذا اصفر كلهم يجي يكسر اي واحد يضربني، وأنا في معلوم كويس ما يروح مع أحد في سيارة، بعدين ياخد كلى حقي بالسكين"!.. آلمني العنف الذي كان ضريبة لمعة تلك العيون، كانت عرضته للخطر في كل لحظة أمر وارد جدا، مهما كانت الاحتياطات حوله تبدو محكمة. وعندما حزنت على فرصة التعليم التي يفتقدها هذا الطفل سألته، كأني آواسي نفسي بأن اجابته ستكون كافية، "ايش تبغى تصير لما تكبر يا بشير؟" أجابني "اسمي بشير أحمد، مع بعض(يقصد أن اسمه مركب)، أنا حأصير إمام مسجد، هو أكثر واحد كل الناس تسمع كلامه، ما احد يزعل إمام مسجد ابدا"!!. اكتشفت ان بشير أحمد مؤمن بالسلطة أكثر من رب المسجد، وحزنت أكثر على الفرص التي يفتقدها هذا الطفل بكل ذكاءه ونشاطه. ولو عدت لتخيلي له وهو رجل ضمن مجتمعه، سيغلب عليه البحث عن السلطة، ولن يرى في التعنيف أي خطأ، لن يقدر الطفولة أبدا، بعد أن حرم منها، أو بعد أن تكون لديه مفهوم مختلف عنها، تماما.

في تلك المدرسة، التي رافقت فيها معلمة الابتدائي، حاولت أن أجد من يشبه بشير أحمد. إلا أنني لم أجد إلا مجموعة من الأطفال الاتكاليين، تعودوا على التلقين، أهدافهم ـ إن وجدت ـ سطحية لا تتعدى الدمى والألعاب. وبدا لي واضحا مستقبلهم، بكل القيود حولهم ومن داخل أنفسهم، خوفهم من التغيير وتمسكهم بالثبات، وقلة الابداع التي تلازمهم، كلها أمور تبدأ من طفولتهم، وتكون نتيجة واضحة بعد انطفاء لمعة أعينهم، وبعد ضياع من يقتدون بهم!. تخيلت أحدهم رجلا في مجتمعه، لا يعتمد عليه، يهاجم كل محاولات التغيير، ولا يبرز إلا في مراقبة حماية القيود، عليه وعلى الآخرين. آمنت، أن الحياة مدرسة، تصقل أفرادها وأن الدور الذي يجب أن يكون من المدارس هو توجيه الأطفال لخوض هذه الحياة، وتدريبهم على مواجتها، وليس حبس الحياة بين جدران المدرسة وتوجه المدرس، كما يحدث في مدارسنا هذه الأيام.

بشير أحمد، طفل واجه الحياة ولمعت عيناه، إلا أن أحدا لم يحميه من شراستها، فغرست قسوتها نبضة في ذهنة، قد تنفجر يوما!. أريد لإبني لمعة عيون بشير أحمد، على أن يسن المجتمع حوله الأنظمه والقوانين التي تحميه من شراسة الدنيا.

نادية العمودي





نشرت في جريدة البلاد

http://www.albiladdaily.net/?p=2841



بتاريخ : 25-7-2011

تعليقات

  1. اسلوبك هذه المرة مختلف .. لكن الانسانة في داخلك على ما يبدو هي نفسها في هذه المقالة و المقالات السابقة.

    بس انا ما كنت عارف ان البنات بيتمشوا على كورنيش جدة في عز الحر و الرطوبة :)

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

القرار .. صناعة

  مكونات أي صناعة هي " مواد أولية، خط انتاج وعمليات، ومنتجات مصنعة" ، ومكونات أي قرار هي   "معلومات أولية، وعملية تحليل، والنتيجة قرار". من خلال عملي مع عدد من قادة القطاعين الخاص والعام وأيضا الغير ربحي، آمنت ان المهارة التي تميًز القادة وتكسبهم ثقة فريق عملهم وتحرك الفرق تجاه النتائج، هي "مهارة صنع القرار" ، لذلك سأتحدث اليوم عن القرار .. كصناعة عندما نتعرف على موادها الأولية وعلى عملية الانتاج، نتمكن من رؤية "منتجات" القرار بشكل أوضح. تتسم هذه الصناعة "صناعة القرار" بأن موادها الأولية غير ثابتة! وأن عملية الانتاج تستند على الخبرات السابقة وطريقة التفكير ونتائج التجارب الخاصة لكل عقل، والمخرجات أو المنتجات تعتبر نصف مصنعة إلى ان تمر بمرحلة التنفيذ الكامل. لذا راقبت عدداً من القادة المميزين ووجدت أنهم يتخذون قراراتهم بثقة وحسم حتى في ظل غياب المعلومات الكاملة، وبمراعاة تامة لعامل التوقيت، لأن القرار المتأخر أسوء في كثير من الاحيان من عدم اتخاذ القرار!. كما لاحظت أيضا أن تحمل مسؤولية القرار هي سمة صعب أن يمتلكها غير القائد الحقيقي. ...

بالحكمة، وليس بالدبور!

الدعوة إلى الله، هاجس الكثيريين، والقليلين. إلا أن أساليب الدعوة إلى الله، مع اختلافها، فهي تعكس تماما خلفية الداعي، ونفسيته، ومستوى وعيه. لذا، فهي حقا أداة ذات حدين، قد توجد طريقا لله، وقد تكون سببا في اغلاق طرق! بالتالي، فإن المسؤولية التي أرى أن يوليها المرء لنفسه، هي تحري الحكمة في أسلوب دعوته، واستخدام الموعظة الحسنة، والبعد، كل البعد، عن ما أطلقت عليه في هذا المقال «الدعاية لله». فالدعوة لسبيل الله تختلف تماما عن الدعاية له «جل تعالى». إن «الدعاية لله» تتمثل في ما يستخدمه البعض -ويتداوله بعضا آخر- من حكايات وقصص يقصدون بها ارشاد الناس لدور الله في حياتهم، وهي في الواقع، لا تختلف عن صناعة أغلب «الدعايات» في عالمنا العربي، تجدها عبارة عن مشاهد، المفروض أنها صنعت سيناريو متكامل، إلا أن النتيجة التي خرجت أمام المشاهد هي بالضبط ما يعكس انطباعه المسبق عن المنتج. لذا فلن تجد صانع الدعاية مراعيا لا لسلامة المنطق، ولا حريصا على أن يعكس أفقا جديدا للمتلقي. هذا تماما ما يلحظ على تلك القصص، والتي سمع أغلبنا-إن لم يكن كلنا- عددا منها. كقصة الدبور الذي غرس رأسه في طبلة إذن الشاب الناجح «العا...