التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكاية ســلا..م!

حكايتي اليوم ولدت بعد أن حضرت حفل تخريج دفعة "أطفال صغار" في المرحلة التمهيدية أعمارهم ما بين الخامسة والسابعة. كان من ضمن فقرات الحفل، "عرض رياضي" استخدم فيه الأطفال "كلاشنكوف". نعم!! كلاشنكوف بلاستيك. "دق على وتري" ذلك الأمر ولم استوعب بأي منطق حكاية العرض المصحوب "بالسلاح". حاولت هضم المشهد بقليل من العرف أو تلوينه باعتباره من التقاليد لكنه كان بالنسبة لي غير قابل للهضم. وما زاد الفهم سوءا أن العرض الرياضي كان مصحوبا بأغنية عن الوحدة الوطنية العربية الإسلامية تقول أن هذا الجيل سيكون "الموحد" و"الباني"، إلا أنني لم أكن أرى إلا طفلا يحمل أداة عنف ويصفق له كل "العقلاء" من حوله. لمعت في ذهني بوادر المشكلة والفرق الكبير، الغير واضح للمربين، بين محاولة الوصول بين سلام وسلام. سلام يبنى على البناء وسلام يبنى على الهدم. كم تمنيت لو أنه استبدل الكلاشنكوف مثلا بالسيف.

فنون القتال والدفاع عن النفس، كالمبارزة أو الكارتية أو الكونغ فو أو غيرها، تنمي لدى الفرد ضبط النفس، وترفع قدرة المبارز على التحكم في انفعالاته، وتعزز مفهوم رحمة الأضعف عند القتال، فلا تهدف لسحق المبارز أو المقاتل إنما تسعى للانتصار عليه، حماية للنفس أوالعرض أوالأرض. كما أن نسيج المجتمع الذي ينتج "مبارزين" يتقنون فنون القتال، يتصف بالعزة والإباء والتماسك، فهو يعلم أن حمايته، كمجتمع، تعتمد على أفراد تمرسوا على خلق فن القتال والمبارزة، وتدرجوا بأنفسهم كي يصلوا إلى التحكم في ضبطها. فنون القتال تعلم المبارز أن النصر "للأجدر"، وأن الإرتقاء هو من خلال نقل الخبرة والمهارة من القدوة المتمرسة في القتال بفنونه، وأن الفن هو في حفظ كرامة كل من الخصمين.

إلا أن استخدام الأسلحة بدءا بالكلاشنكوف وصولا للدبابة، يعلم فنون الحرب وليس القتال، والفرق بينهما كبير. الحرب واستخدام الأسلحة يجرد المرء من قدرته وتحكمه لترتكز في "كومة حديد" يمكنها خلق الدمار في لحظة، بضغطة زر فقط. الحرب تعلم الفرد العنف والجبروت والاعتداء، وتزرع في نفسه ضعفه مقابل قوة الرصاص والنار والحديد، حتى أنه كثيرا ما تشوش الحرب بعنفها على الهدف من اقامتها ولا تكون إلا دمارا شاملا. تنشر الحرب الذل والهوان بين المحاربين والمعتدى عليهم، تجعل من حامل السلاح متسلط حاقد مستهين بضغطة الزر، التي لا تكلفه مجهودا يذكر، وتمكنه من تدمير كل ما هو أمامه. فنون الحرب تعلم المحارب أن النصر "للأقوى"، وأن السلطة الأكبر من خلال استخدام أسلحة أكثر تدميرا، وأن فن الحرب هو في استغلال ضعف الأعزل.

حكاية السلام، لن تكتمل بالسلاح. بل لن تبدأ إلا بتثقيف الناس (وخاصة الأطفال) بثقافة السلام أولا. بالحد من الصراعات، مع الذات ومع الآخرين. بمحي كل أسباب الاحتقان والحقد والكراهية، أيضا تجاه الذات ومن ثم الآخرين. ثقافة السلام، ليست في تغيير المفاهييم السياسية في العالم، إنما هي في قبول الأفراد لبعضهم البعض، بعدم تقسيم الناس لصالح و طالح. وعدم الانصياغ خلف المهتفين بضرورة تنقية الأرض من شرور الطالحين، فلا أكاد أرى مستفيدا من هذه الهتافات إلا رجال السياسة، أو رجال الدين!، ولا متضررا منها إلا من هم لهم مستسلمين. كما أنه يبدو لي واضحا من خلال التاريخ العربي الإسلامي، الذي أعلن أغنيته في العرض الرياضي المقدم في تلك المدرسة، أنه على مر مئات السنين لم تجني العروبة ما تتمناه بدليل موقعها من العالم اليوم، وكأن الأجدر بنا أن نعي أن سلامنا في قبولنا اختلافاتنا وانقساماتنا، وليس في سيادة "قسم" على الآخرين. وأن العزة في التدرج بارتقاء الأفراد ومن ثم الجماعات، وليس في محاربتهم.

في ذاك الحفل، وأنا أحاول أن لا أتسابق مع مخيلتي وأرى هؤولاء الأطفال نساء ورجال، يؤمنون بالسلاح، ويسعون للسلام!. رأيت مفاهيما اختلطت على الناس، يرتدي فيها "الخطأ" بياضا أكثر من الصواب، ورأيت ضيق الأفق يجعل من "السواد" حصنا منيع. تمنيت عندها لو أني استبدل "العقلاء" حولي بآخرين، ليسو عقلاء!


نادية العمودي


نشرت في جريدة البلاد
http://www.albiladdaily.net/?p=6316


بتاريخ :8-8-2011




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالحكمة، وليس بالدبور!

الدعوة إلى الله، هاجس الكثيريين، والقليلين. إلا أن أساليب الدعوة إلى الله، مع اختلافها، فهي تعكس تماما خلفية الداعي، ونفسيته، ومستوى وعيه. لذا، فهي حقا أداة ذات حدين، قد توجد طريقا لله، وقد تكون سببا في اغلاق طرق! بالتالي، فإن المسؤولية التي أرى أن يوليها المرء لنفسه، هي تحري الحكمة في أسلوب دعوته، واستخدام الموعظة الحسنة، والبعد، كل البعد، عن ما أطلقت عليه في هذا المقال «الدعاية لله». فالدعوة لسبيل الله تختلف تماما عن الدعاية له «جل تعالى». إن «الدعاية لله» تتمثل في ما يستخدمه البعض -ويتداوله بعضا آخر- من حكايات وقصص يقصدون بها ارشاد الناس لدور الله في حياتهم، وهي في الواقع، لا تختلف عن صناعة أغلب «الدعايات» في عالمنا العربي، تجدها عبارة عن مشاهد، المفروض أنها صنعت سيناريو متكامل، إلا أن النتيجة التي خرجت أمام المشاهد هي بالضبط ما يعكس انطباعه المسبق عن المنتج. لذا فلن تجد صانع الدعاية مراعيا لا لسلامة المنطق، ولا حريصا على أن يعكس أفقا جديدا للمتلقي. هذا تماما ما يلحظ على تلك القصص، والتي سمع أغلبنا-إن لم يكن كلنا- عددا منها. كقصة الدبور الذي غرس رأسه في طبلة إذن الشاب الناجح «العا...

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

نادية خالد العمودي لـ هي : أعيش حياة بسيطة وأؤمن بأن لكل مشكلة حل

ليس بمفردك .. لكن بنفسك

  مرور الأيام هو امر خارج عن إرادتنا، ولا يمكننا إيقاف نمو اجسادنا بمرور الوقت، إنما ما نملك كامل الحرية تجاهه هو نضجنا.  النضج يعني الاستفادة من تجارب الحياة، الخروج بنتائج أفضل كلما مر الوقت، يعني ان تصبح احلامك واقعاً تعيشه! أجد أن الفرق بين شخصين إحداهما حقق ما كان يراه الآخرون مستحيلاً، وآخر في محاولة مستمرة لاثبات استحالة التحقيق! هو ان الأول تجاوز تجاربه الصعبة وتعلم منها درساً لمرحلة أخرى، قد تكون أصعب، وتجاوزها أيضاً. والثاني توقف عند احد هذه التجارب الصعبة وأثبت أنه لا مخرج، وحبس وعيه في تلك المرحلة، موجها كل اللوم للظروف والأشخاص! تأكد أنك وحدك من يقرر تولي مسؤولية الحياة والنضج، او من يسلم هذا المقود لغيره من الأشخاص او الظروف ويقضي حياته في اللوم والعتب عليهم . يقول برنارد شو “الظروف!، أنا أصنع الظروف التي أحتاجها لكي انجح”، وفي حديثه الكثير من الثقة وكل الصحة، نعم يمكن لكل منا أن يختار الظروف التي تناسب تحقيق أحلامه. المفتاح هو “المسؤولية” هو القرار بتولي مسؤولية نجاحاتك، وأيضا اخفاقاتك التي تواجهك. وان تعرف أنها ظرفاً يهديك درساً ستحتاجه في المرحلة القادمة، وي...